فخر الدين الرازي

253

تفسير الرازي

عاليهم ثياب سندس ، فعلى الاحتمالات الثلاثة الأول : تكون الثياب الأبرار ، وعلى الاحتمال الرابع تكون الثياب ثياب الولدان الوجه الثالث : في سبب هذا النصب ، أن يكون التقدير : رأيت أهل نعيم وملك عاليهم ثياب سندس . المسألة الثانية : قرأ نافع وعاصم : خضر وإستبرق ، كلاهما بالرفع ، وقرأ الكسائي وحمزة : كلاهما بالخفض ، وقرأ ابن كثير : خضر بالخفض ، وإستبرق بالرفع ، وقرأ أبو عمرو وعبد الله بن عامر : خضر بالرفع ، وإستبرق بالخفض ، وحاصل الكلام فيه أن خضراً يجوز فيه الخفض والرفع ، أما الرفع فإذا جعلتها صفة لثياب ، وذلك ظاهر لأنها صفة مجموعة لموصوف مجموعة ، وأما الخفض فإذا جعلتها صفة سندس ، لأن سندس أريد به الجنس ، فكان في معنى الجمع ، وأجاز الأخفش وصف اللفظ الذي يراد به الجنس بالجمع ، كما يقال : أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض إلا أنه قال : إنه قبيح ، والدليل على قبحه أن العرب تجيء بالجمع الذي هو في لفظ الواحد فيجرونه مجرى الواحد وذلك قولهم : حصى أبيض وفي التنزيل * ( من الشجر الأخضر ) * و * ( أعجاز نخل منقعر ) * إذ كانوا قد أفردوا صفات هذا الضرب من الجمع ، فالواحد الذي في معنى الجمع أولى أن تفرد صفته ، وأما إستبرق فيحوز فيه الرفع والخفض أيضاً معاً ، أما الرفع فإذا أريد به العطف على الثياب ، كأنه قيل : ثياب سندس وإستبرق وأما الخفض فإذا أريد إضافة الثياب إليه كأنه قيل : ثياب سندس وإستبرق ، والمعنى ثيابهما فأضاف الثياب إلى الجنسين كما يقال : ثياب خز وكتان ، ويدل على ذلك قوله تعالى : * ( ويلبسون ثياباً خضراً من سندس وإستبرق ) * واعلم أن حقائق هذه الآية قد تقدمت في سورة الكهف . المسألة الثالثة : السندس ما رق من الديباج ، والإستبرق ما غلظ منه ، وكل ذلك داخل في اسم الحرير قال تعالى : * ( ولباسهم فيها حرير ) * ثم قيل : إن الذين هذا لباسهم هم الولدان المخلدون ، وقيل : بل هذا لباس الأبرار ، وكأنهم يلبسون عدة من الثياب فيكون الذي يعلوها أفضلها ، ولهذا قال : * ( عاليهم ) * وقيل هذا من تمام قوله : * ( متكئين فيها على الأرائك ) * ومعنى * ( عاليهم ) * أي فوق حجالهم المضروبة عليهم ثياب سندس ، والمعنى أن حجالهم من الحرير والديباج . قوله تعالى : * ( وحلوا أساور من فضة ) * وفيه سؤالات : السؤال الأول : قال تعالى في سورة الكهف : * ( أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ) * ( الكهف : 31 ) فكيف جعل تلك الأساور ههنا من فضة ؟ والجواب : من ثلاثة أوجه أحدها : أنه لا منافاة بين الأمرين فلعلهم يسورون بالجنسين إما على المعاقبة أو على الجمع كما تفعل النساء في الدنيا وثانيها : أن الطباع مختلفة فرب إنسان يكون استحسانه لبياض الفضة فوق استحسانه لصفرة الذهب ، فالله تعالى يعطي كل أحد ما تكون رغبته فيه أتم ، وميله إليه